بدأت الكتابة مبكرا جدا، في سن 8 كنت في الفصل وانتابتني حمى الكتابة المباغتة، أخذت ورقة ودسستها في كراسي ورحت اكتب بعيدا عن أعين مدرسة الفرنسية قصة تخيلت أني بطلها..

كان اتصالي بالفنون قبلها منحسرا في مشاهدة السينما مع والدي ووالدتي كل جمعة، والاستماع إلى الأنغام المتسربة من الراديو يوميا، ومع أني كنت طفلا شقيا جدا إلا أن أمي اكتشفت أنه يمكن استئناسي من حين لآخر بطريقتين:

الأولى أن أستمع بشغف وسباحة خيالية للقصص التي تقصها علي هي أو أبي أو جدتي لأمي أو جدتي لأبي أو دادة أم عبده التي كانت أكثر كثيرا من مربية، كانت شبه جدة ثالثة.

والطريقة الثانية أن اترك لحالي مع أوراق وألوان، فأرسم بالساعات، أرسم قصصا، قصصا أنا بطلها المتخيل.. خالد طرزان، خالد سوبرمان، خالد من الهنود الحمر أو الكاوبويز.. وهكذا.

في سن 8 كنت صاحب حصيلة ثرية من الحكايات، أمي بقصصها التي جاءت بها من طفولتها في المدارس الفرنسية، حكاياتها عن عائلتها، القصص المصورة على مجلات سمير وميكي ثم تان تان، قصص أبي الواقعية من يوميات دراسته الجامعية والمهنية خاصة وأنه محامي ولديه قصص درامية دائما، ثم ذلك الكنز المتنوع في الحكايات الشعبية والدينية والعائلية للجدات الثلاث بخلفياتهن المختلفة.. من الصعيد لبحري وحتى الشام، إضافة لفيلم كل أسبوع تقريبا مع الأسرة غير أفلام مخصصة للكبار فقط تسللنا لدور العرض ونحن أطفال أشقياء واختلسنا بعض ما كان فيها من مشاهد عنف وإثارة!

جلست وكتبت في الفصل يومها إذن ثم ألقت علي القبض المدرسة ثم اقتادتني للناظرة فتم فصلي اسبوعا بسبب هذه المخالفة النكراء التي تجاوزت كسر قواعد الفصل إلى محتوى ما كتبت.. وقد شرحت هذه القصة بالكامل في مجموعتي القصصية الوحيدةالتي تسمت بعنوانها المجموعة

(مدونة الخبز والحرية

صفحة بقلم خالد الصاوي على الفيسبوك)

ارتبطت معي الكتابة منذ تلك اللحظة بمجموعة مميزة من المشاعر، أحببتها.. وكرهت المدرسة.. بل بدأت أول مشوار تمردي على السلطة الغاشمة التي دائما ما ستصنفني بالمتجاوز الفوضوي، وقد شرحت هذه العلاقة في مقالي (مواجهة السلطة بالحقيقة، شهادة من فنان).

في سن 11 اقتربت من الشعر، وفي سن 15 أدمنت الانفراد بنفسي وقرض الشعر، في سن 16 صببت همومي الفكرية حول الإنسان والشيطان وعلاقتهما بالله في مسرحية ورواية، في سن 17 انجذبت مع كتابة الشعر للمسرحية السياسية وانهمكت فيهما حتى سن 20 حين بدأت معهما أميل للقصة القصيرة والسيناريو القصير، وعلى مدار عشرينياتي وثلاثينياتي تشابكت محبتي للفنون والآداب مع هيامي بالتاريخ والفلسفة والسياسة الثورية فجربت طاقتي في مختلف أشكال الكتابة من المقال إلى السيناريو الطويل، نشرت عدة مسرحيات ودواوين شعرية، ومن خلال مدونتي ومواقع التواصل الاجتماعي قدمت كتاباتي وتفاعلت مع القراء ومع اللغة الافتراضية فاستفدت الكثير.

 

ما هي رسالتي حين أكتب؟ أكتب ما أحس به، ولكن رغما عني أتجه دوما إلى عوالمي التي فطرت عليها أو انجذبت لها على مدار السنوات المتراكمة.. الظلم، التحرر، حدود الإنسان، القتال دفاعا عن النفس أو الرؤية، تجاوز الضعف وتحدي الموت، محاولة المرء أن يولد كلما مات معنويا أو اجتماعيا، معنى الوجود.. ماذا يعطي الوجود معناه؟ التناقض في الذات وفي العالم، معجزة المحبة وسط عالم متنافر، اضمحلال وبعث الفرد والأمم، البطولة الواقعية التي توجد بالفعل حولنا ولا نعطيها حقها.. والحواجز اللعينة بين البشر!

بالطبع تلونت كتاباتي بمزاج وقت كتاباتها، ولكني أظنأن خلطة التمرد الصارخ والشجن التأملي مع السخرية المريرة اللاذعة التي  صبغت عملي كممثل وكمخرج مسرحي قبلها صبغت أيضا كتاباتي.

لقد وضعتني دراسة القانون على خط المواجهة مع السياسة وأنا لا زلت مراهقا شديد الحساسية للعدل الاجتماعي والتحرر الإنساني الشامل، كبرت ولم أخسر هذا الحلم أبدا، وابتلعني المسرح لسنوات طويلة فصادقت في رحابه بقية الفنون والآداب حتى نقلت مقر إقامتي من الخشبة إلى البلاتوه خلال السنوات العشر الماضية كممثل يخصص أغلب وقته لبناء ودراسة مشاريعه بعناية مع التثقيف الذاتي المستمر قراءة ومشاهدة واستماع، ويخصص الوقت الباقي لكل ما يعشق في هذا العالم كالكتابة بمختلف أجناسها إضافة إلى تلحين الأغاني والمشاركة في النشاط العام.

للمزيدعني، أرجو أيضا مراجعة مقدمات كتبي: 

-اللعب في الدماغ

-أجراس

-نبي بلا اتباع

-مقدمة د. يوسف ادريس لكتابي يوميات خلود

بالاضافة لمقالاتي التي نوهت عليها وغيرها وجميعها موجودة على مدونتي الخبز والحرية